Search

جبل الرمل !

سيرة ذاتية فريدة ل رندا شعث ، واحدة من أهم مصورات العالم العربي. متعددة الهوية و متعددة الإبداعات التي طالت بلاد الشرق والغرب معا..



جبل الرمل كتاب قريب من قارئه يفعل به كما تفعل صور فوتوغرافيا رندا و ابتسامتها العذبة .. تتخللك دون استئذان و بكل حساسية و ودّ رغم كل الألم.


عرفت رندا لسنين طويلة و كنت في انتظار كتاباتها لإيقانى أن بجانب تفرد الصور هنالك تفرد الكلمة و الحكي و الذكرى.

الكتاب مارس بعض الضغوطات علي لأكمله في يوم واحد و لكني قاومت لمعرفتي أني أحتاج مزيد من الوقت كي أبقي على لحظاتي الحميمة معه أطول وقت ممكن. كي أشاركه بعض مني في شرود أو ضحكة أو لحظة بائسة تضم ابتسامة و عين مبللة بالدموع ..


هنالك دائما شعور خفي بالانتماء تمنحني إياه إبداعات رندا و اكتمل الشعور بقرائتي سيرتها الذاتية التي لامست جروح عميقة و سخرية تكاد تكون عبثية من تاريخ بلادنا التي وصفته بكل صدق و وضوح أنه تعيس جدا من خليجه إلى محيطه ..

الكتاب رحلة دافئة رغم المأساة. مغامرة قوية لا تخجل من ضعفها.. سيرة استثنائية لإنسانة استثنائية بحق .

تبحر معه من الشخصي إلى العام دون أن تدري و تفاجئ بإمكانية مشاركة الكثير معه !

اقتبست بعض من المقاطع المحببة و منها :

” أدرك بيقين أن المرآة تفتح على البحر، و البحر لا ينتهي ، و جدتي هناك في مكان ما . و وطني أيضا هناك في مكان ما حيث لا يسمح للعقل بالدخول. “

” نضع حقائب السفر بجانب الباب ثم نحمل كاميراتنا و نتجه إلى الميدان. شارع القصر العيني مغلق، فنمشي في الشوارع الداخلية لجاردن سيتي. نعبرأول حاجز للجنة شعبية في آخر شارعنا. يقف فيه صديقنا محمد، يسلم علينا و يهنئنا على سلامة الوصول. في الشارع الموازي للقسم، لجنة ثانية ترفض السماح لنا بالعبور. يبدأ النقاش، يعلو صوتهم بالتهديد ، يأتي محمد مسرعا يؤكد معرفته بنا و بمكان سكننا، فيدفعونه بعنف إلى الأرض و يطلقون الرصاص في الهواء. نعود أدراجنا ، كلنا نشك أنهم من الأهالي، إذ لم نرهم من قبل. نغير الطريق، أنا احفظ كل مداخل جاردن سيتي و مخارجها، بإصرار نصل إلى الميدان.


أجد الأحباب كلهم هناك. “

” أزالت أمي عني كل القيود، خرجت أنا و ماما كزميلتين في اجتماعات عديدة تطالب بإيقاف قانون جيهان السادات لعدم دستوريته، و بحماية حقوق المرأة و الأسرة من خلال قانون عادل لا يتعارض مع الدستور. سافرت لإكمال دراساتي العليا بعدها بخمسة شهور. كانت تطلبني مرارا بالتلفون لتطمئن علي من وراء ظهر أبي . دعت لي في أول امتحان. لم يمهلنا القدر أن تكمل دعواتها لي، و لا أن استمتع بصداقتنا الجديدة. رحلت و عمرها ٤٦ سنة. “

” أهدئ نفسي بفكرة واحدة :


سأبقي فرحة و فخورة بأن قدمي لمستا أرض فلسطين، و إن كان للحظات، و إن منعوني من الدخول. تلكأت في الطابور مرات حتى وصلت إلى الجندي. أصدقائي منعوني من حمل أرقامهم للأمان، لكني سجلت رقم كميليا بطريقة مبتكرة على نسخ ( المغامرون الخمسة ) حملت رواية معي و أشرت إلي أرقام صفحات بتتالي الرقم. تذكرت أنه ليس معي أي نوع من الفكة. فتلفت مرة ثانية أبحث عن صراف. الظلام يخفي كل شيء. جررت العربة الصغيرة التي تحمل حقائبي بتوجّس، لمحت من بعيد شخصا يشبه شيري صديقتنا و زميلة كاميليا في المنزل. سرت خطوتين ثم ركضت لألقي بنفسي بين ذراعيها و أنا أصيح أنهم لم يسألوني أي سؤال و أنني خرجت في خمس دقائق. أسكتتني سريعا و قالت أن المخابرات و الجنود يحققون مع كل أعضاء فرقة ” صابرين ” الذي جاءوا لاستقبالي. “

” أمسك بيدي و أخذني إلى الأدوار الأربعة حتى السطح، يرحب بي المقاتلون و يحمّلوني مزيدا من الوريقات الصغيرة بالعناوين والأسماء، هو لم ينبس بكلمة طوال ثلاث ساعات مدة الزيارة، لم يقل حتي اسمه، و إن ظلّ ممسكا بيدي، وقت الرحيل، علي باب السفينة، نظر طويلا إلي بعينين زرقاوين بلون السماء ثم أخرج مشط الرصاص من بندقيته، أهداني إياه و قال لي :


ـ سنلتقي في القدس. “

” جلسنا نحن الثلاثة أمام المدفأة نحتسي الشاي، يعلو صوت طقطقة الخشب عند احتراقه، و تقطع الصمت جملة وحيدة ل ” فيرنير” : ـ أريد قلبا جديدا

أخفف حدة التوتر بمزحة ، أسأله إن كان بإمكانه التخلص مني ، و من محبة أصدقاء العمر الذين سكنوا قلبه ، و من ذكرياتهم ، إن أصبح له قلب جديد.


أجاب بابتسامة أنهم عمليا يحتلون العقل لا القلب. “

” أكرر لرامي بحدة:


ـ أنا مش لازم آخد صف أي خرا، أنا دايما مؤمنة إن فيه سكة تالتة.

أكتشف عبث ما أقول.”

” شاركني ” توم ” محبة أن يكون بيتنا مفتوحا، عامرا بالأصدقاء، نطهو أكثر من احتياجنا لأن الاحتمال قائم أن يمر أحدهم و يشاركنا الطعام. سعدنا بلقب أطلقه صديق على البيت ، أنه محطة ” الريست ” يمر عليه من كان بقربه. “

كنت الأولى في ترتيب الوصول، السيدة زينب لا تبعد كثيرا عن جاردن سيتي. حين توقفت صديقتي أمام العمارة ، صاح أحدهم :


ـ إيه ده ساكنة في جاردن سيتي ؟ برجوازية يعني؟


و لأول مرة تسعفني سرعة البديهة :


ـ أيوه برجوازية عندي تطلعات بروليتارية.

” أمشي فوق السور العتيق و كأنني عصفورة طائرة فوق القباب و المآذن و أبراج الأجراس. أكاد ألمس قبة الصخرة الذهبية، أقرص نفسي عشرات المرات، غير مصدقة أنني هنا. “

الكتاب في القلب لكنه متاح في مكتبات الشروق و الديوان أيضا إصدار دار الكرمة.




مروى زين

أغسطس ٢٠٢٠

1 view0 comments

Recent Posts

See All